القاضي سعيد القمي
237
شرح توحيد الصدوق
غير صورة ، لا يدرك بالحواسّ ، ولا يقاس بالنّاس ، معروف بغير تشبيه ، ومتدان في بعده لا بنظير ، لا يمثّل بخليقته ، ولا يجور في قضيّته . الأنبياء والأولياء ، انّما يقتصرون « 1 » في معرفة اللّه تعالى وتعريفهم إيّاه للعباد « بالتّعريف الإلهيّ » ، ولا يتجاوزون في وصف اللّه عزّ شأنه عمّا وصف هو به نفسه من الوصف الجماليّ والجلاليّ ؛ وذلك لأنّ كلّ تعريف ابتدأ من الخلق لا بدّ للمعرّف بذلك التعريف من رؤية عيانيّة أو خياليّة أو عقليّة - كما لا يخفى على المتدرّب في العلوم الحقيقيّة - ؛ وكذا كلّ توصيف ابتدأ من الخلق ، فلا محالة يستلزم الصّورة للموصوف ؛ إذ الصّفة مطلقا جهة الإحاطة والحدّ ، وذلك يستلزم الصّورة في المحاط والمحدود سواء كانت صورة حسيّة أو غيرها . والصّورة المعنويّة أتمّ في الصورية لأنّها ثابتة لا تزول ؛ فلا محيص لهم عليهم السلام إلّا بأن يقفوا على التّعريف الإلهيّ والتّوصيف الرّبوبي . وذلك أيضا بالإقدار المحض والتعبّد الخالص ؛ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ « 2 » . وجملة « لا يدرك » مع معطوفاتها ، للبيان ولذا لم يدخلها العاطف : أي التعريف الإلهيّ هو انّه لا يدرك بالحواس ؛ إذ المدرك بها لا يكون الّا عرضا وهو سبحانه متعال عن الجوهريّة والعرضيّة . ولا يقاس بالناس ، إذ المقايسة انّما يكون بين شيئين يشتركان في ذاتيّ أو عرضيّ وهو عزّ شأنه مباين لما سواه من جميع الجهات ، وإلّا يلزم التركيب المشعر عن الفقر والاحتياج - تعالى عن ذلك علوّا كبيرا . « معروف بغير تشبيه » أي الوجه الّذي يمكن أن يصير معروفا ويصحّ أن يتعلق به المعرفة هو أنّه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ؛ فكلّ من دان بذلك عن إيقان
--> ( 1 ) . يقتصرون : يقصرون م . ( 2 ) . الرعد : 41 .